هذا أنا كما أنَا، حمودي الكناني يحاورني/ كريم مرزة الأسدي

وأنا أشدّ حقائبي لوحدي فقط من أجل عينيك يا وطني وأنت يا أمتي  ، بئس ألعقول الصغيرة والعميلة في  الزمن الرديء ، وأتحدى ...!!   الحوار الذي أجراه الأديب القاص الأستاذ حمودي الكناني قي صحيفة المثقف العربي : 
لَا تَرَانِيْ وَاحِدَاً ، تَحْتَ لِسَانِيْ ****أمّةٌ ،ذَرّاتُهَا صَاغَتْ كِيِانِيْ
يَعْرُبِيٌّ فِــيْ دِمَائِيْ وَالْأمَانِيْ*** وَإذَا مَا مُتّ ُبَارْضِيْ فَاقْبِرَانِيْ
لُغَةُ الضّادِ وَرَبِّيْ قَدْ حَبَانِيْ** سِرّهَا الْمَكْنُوْنَ فِيْ حُسْنِ الْمَعَانِيْ
وَتَجَلّتْ لُغَةٌ مِنْهَا بَيَــــانِيْ***** بِانْســِيَابٍ وَشِجُوْنٍ وَافْتِنَـــانِ
يَاعِرَاقٌ أنْتَ يَنْبُوْعُ الْحَنَــانِ *****طِيْبُكَ الْغَافِيْ وَلَا طَعْمُ الْجنانِ

مدارات : 
حوار مع ألاديب الباحث كريم مرزة الأسدي ترك الجسدَ وأدوائه والضرس وأوجاعه وراح يحلق في دنيا القريض 
أهلاً وسهلاً شاعرنا الأثير كريم مرزة الاسدي في مدارات حوارية في صحيفة المثقف ..!!
كريم مرزة الأسدي شاعرٌ باحثٌ ترعرع ونما في النجف، أرض السلام والوئام التي جل غرسها من الشعراء والعلماء ومن ذوي الشأن . أرضٌ ضمت جسد صاحب الشأن الرفيع والحصن المنيع، اولهم ايمانا بالله ورسوله وأفصحهم لسانا وابلغهم منطقا بعد النبي عليه السلام .. ذلك هو ابو تراب والد السبطين علي بن ابي طالب (ع.(
صدر له العديد من الكتب في الشعر والنقد والبحث والتاريخ ونشر له العديد من البحوث والدراسات في المجلات والجرائد والمواقع الالكترونية ولأن الكثير الكثير كتب عنه وعن اصداراته لذلك تعمدت عدم ذكر اسماء ما صدر له، ترك التخصص في الجسد وأدوائه وفي الضرس وأوجاعه واتجه يدرس العلوم الطبيعية لكن عينه ظلت ترنو الى الشعر والشعراء وحافظته الذهنية شرّعت ابوابها لتختزن الكثير الكثير من جواهر الادب والمعرفة في بواكير شبابه .. شاعر كبير وباحث متمكن وإنسان يفيض مودة ومحبة، طورد كثيرا ولكي يسلم من اذى الطغاة ترك الوطن في نهاية في اواخر سبعينيات القرن الماضي واستوطن الشام ومن ثم الجزائر و المغرب .. عربي أصيل، يعتز بعروبته، أهلوه بنو أسد تمتد مضاربهم من كربلاء حتى البصرة ..
والآن لنمضي نتجول في حدائق الشاعر الكبير معلمنا وأستاذنا القدير كريم مرزة الاسدي عبر إجاباته الوافية، فاهلا وسهلا به مجددا في مدارت حوارية: 
س1: حمودي الكناني: 
النجف الاشرف شرفها الله بأن ثراها ضم جسد علي بن طالب (ع ) وهي حاضرةُ علمٍ وأدب ودين، يقصدها طالبو العلم والمعرفة من كل بقاع العالم، هذه الحاضرة هي مسقط رأسك فيها ترعرعت وتربيت وتعلمت فما الذي تركته هذه المدينة في نفس الطفل والصبي واليافع كريم بن الحاج عباس مرزة الاسدي؟؟
ج 1: كريم مرزة الاسدي:
 بادئ ذي بدء أشكر الأستاذ الأديب الرفيع، والقاص المبدع حمودي الكناني على إجراء هذا الحوار، كما أشكر صحيفة المثقف الغرّاء على نهجها القويم لإرساء أسس الثقافة المنفتحة على كافة الاتجاهات الوطنية والعربية والإنسانية السليمة . وعادة يأخذني القلم إلى إجابات مسهبة وافية كافية، ولكن لكثرة الأسئلة، ربما ستتفاوت إجاباتي بين الإطناب والإيجاز والمساواة . 
الحقيقة أنا سليل عائلة عريقة جدا من النجف الأشرف (آل مرزة) - ومرزة اسم طائر من آكلة اللحوم كالشاهين، والعرب تميل إلى أسماء الحيوانات، أو الطيور، أو من مرزات الشلب،والواحدة مرزة، إذ كان أجداننا يتاجرون بها، وليس من ميرزا اللقب التشريفي الفارسي، إذ يتشكل من مقطعين، مير: وتعني أمير، و زا: وتعني ابن بالفارسية، وبالتالي، يكون معنى الكلمة: ابن الأمير، أما ميرزة فهي كلمة لا توجد لا بالعربية ولا بالفارسية، وإنما هي تحوير وخلط، وعلى العموم كلنا بشر، لآدم وآدم من تراب !!، وإنما ذكرت هذا للتوضيح اللغوي - أقول ربما لم يسبقنا إليها من عوائلها العريقة، المتواجدة في النجف حتى الآن، سوى عائلة آل الطريحي بخمسين عاماٌ، وهم ونحن مع خمسة عوائل نجفية أخرى، ننتمي إلى بني أسد، ونحن من فخذ آل معرّف الأسدي، وتنعت عائلتنا بالثراء والشرف، كما قال عنها - مثلاً - المرجع الديني الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في معرض تحقيقه وشرحه لديوان ( سحر بابل وسجع البلابل) للشاعر الشهير السيد جعفر الحلي، الذي نظم العديد من القصائد في حق عدّة من أجدادنا، أ قول هذه الخلفية الثرية مادياً ومعنوياً - إن صح التعبير -، وفي مدينة الإمام (ع)، لابدّ أن تؤثر على تكويني النفسى والثقافي والفكري، ومن حسن الحظ نشأت في زمن كانت رموز النجف الأدبية والدينية،والثقافية ذات توجهات إنسانية وعربية ووطنية، فلا يتعجب القارئ الكريم منذ 1911 م يفتي مراجع النجف الجهاد ضد الغزو الإيطالي لليبيا، ومن ثم جهاد علماء النجف ضد الغزو الأنكليزي للعراق، واستشهاد بعض مراجعها الكبار كالسيد محمد سعيد الحبوبي، وتتزعم قادة ثورة العشرين، وتساند الثورة العربية الكبرى للشريف حسين عام 1916م وتقف بحزم ضد مشروع انضمام الموصل إلى تركيا 1924 م وما بعدها، وكذلك ضد الاستعمار الفرنسي في سوريا ولبنان، وتواصل النجف مسيرتها العروبية ضد وعد بلفور عام 1917م، وتأسيس إسرائيل عام 1948م، واقرأ ما يقول الجواهري العظيم في قصيدته (يا فا الجميلة )، نشرها 1945م بعد زيارته لفلسطين الحبيبة:
أحقـّاً بيننا أختلفت حدودٌ **** وما اختلف الطريقُ ولا الترابُ
ولا افترقتْ وجوهٌ عن وجوهٍ *** ولا الضادُ الفصيحُ ولا الترابُ 
وساندت الثورة المصرية 1953م بقوة حتى أنها في اعتداء 1956م قدمت الشهداء في سبيل مصر الكنانة، وشاركتها مدينة الحي على درب الشهادة، وتواصل مسيرتها المشرفة ضد الاستعمار الفرنسي في المغرب وتونس (وثيقتا الاستقلال 1956م )، كما يقول الشيخ اليعقوبي:
أرأيت هاتيك المجازر *** ما بين تونس والجزائرْ
أي النواظر لاتفيضُ **** دمـــا عـلى تلك المناظرْ
يأمة العرب انهضي **** للحـــرب من بادٍ وحاضرْ 
ما قدر جامعةٍ لكم **** لازال منها الغرب ســـــاخرْ
وما زال - يا شيخنا - ساخراً وعابراً وآمراً !! 
وإثر معارك (الريف) في المغرب، وشموخ عبد الكريم الخطابي (الريفي)، إذ تهجم شيخنا اليعقوبي على الفرنسيين والأسبان بسخرية لاذعة:
أتت زمرة الأسبان تترى وخلفها ***الفرنسيس في جيش ٍ على الريف حاشدِ
فيا دولتـي بغي حدا الظلم فيـهما*** **الى حرب شـعب ٍ ماله من مسـاعـدِ
حنانا على الريــــف الضعيف فانّه****من الظلم سعي إثنين في قتل واحـــدِ
نرجع، وتستقبل النجف قادة ثورة الجزائر، وتحمل شموع الحرية أبان استقلالها عام 1962م وللشيخ محمد علي اليعقوبي عشر قصائد رائعة عن أقطار المغرب العربي، حتى أن الدكتور عبد الهادي التازي، أوعد في تأبين الشيخ عام 1965م بإطلاق اسم الفقيد على أحد شوارع الرباط، وللشيخ مثلها عن فلسطين، بل أن الدكتور محمد حسين آل ياسين رسالة الدكتوراه التي نال درجتها بامتياز، كانت تحمل عنوان (فلسطين في الشعر النجفي)، ولا أطيل الحديث، فالموضوع يحتاج إلى مؤلف، وهكذا كان السيد الصافي النجفي، والجواهري، وبحر العلوم والشرقي،والشبيبي والحبوبي .والسيد مصطفى و الوائلي ...، بل أن السيد جعفر الحلي وقد سبقهم، توفي (1315 هـ / 1897م)، كانت هكذا نفشته العروبية، اقرأ ما يقول: 
أبلاديّ ٌوأهلي عـــربٌ*** في الفلا لم ينزلوا الا بوادي
يمتحون الماء في أذنبة *** او تحييهم ملثـات الغوادي
قومنا اكفاؤنـــا منهم فلا *** أحوج الله الى القوم البعاد
فقضاياهم حســــان كلـّها***شـرعٌ في عكسها والاطراد 
هذه التواريخ أحفظها على ظهر قلب، ومثلي كل مثقفي النجف، وهذه المدينة تقطنها قبائل عربية عريقة، ولكونها حوزة علمية منذ عهد شيخ الطائفة (المتوفي 460هـ / 1068م)، وهتالك من يذهب إلى قبل ذلك بخمسين عاما، فافتتحت جامعة النجف على أغلب الظن قبل جامعة الأزهر الشريف بخمسين عاماً - طبعاً بعد التحقيقات الرصينة -، إذ افتتحت جامعة الأزهر (380 هـ / 980 م)، ومن بعدهما تأسست جامعة بولونيا في إيطاليا (513 ههـ / 1119 م)، أقول لوجود هذه الجامعة، وفد عشرات الآلآف من طلبة الحوزة من أنحاء العالم العربي والإسلامي للدراسة في مدارسها الحوزوية حتى وصل عددهم في سبعينات القرن الماضي إلى سبعين ألفاً، وهذا الرقم كان يمثل عُشر السكان، ومنهم من أنجبوا - من قبل -،وتزاوجوا، وأصبح النسيج متشابكاً، وبقى أولادهم وأحفادهم في المدينة، واندمجوا مع السكان، ومن البديهي أن النجف كمرقد الإمام علي (ع)، يحجها المسلمون منذ عهد الرشيد والمعتصم والمتوكل الذي ودّع أمه وولده المنتصر إلى النجف عند سفرهم للحج، إذ كان المتعارف عند الحج يتوافد الحجاج من جميع أنحاء العراق والدول المجاورة قبل بلورة المذاهب إلى النجف، ومنها ينطلقون للديار المقدسة، واستمر الحال بزيارة الطوائف الإسلامية للمدينة لزيارة المرقد الشريف، لذا لكل هذه العوامل مجتمعة أصبحت نفوسنا مشبعة بالنفس العروبي، وإن يتظاهر البعض بالعكس للظروف المرحلية المؤلمة، وكذلك بقى الإنسان في وجداننا هو الإنسان، مهما اختلف لسانه أو عرقه أو مكانه، بحكم الاحتكاك المستمر، فالإنسان النجفي عروبي في تفكيره، إنساني في شموليته، بسيط بساطة أرضه ورجاله قبل الزمن الأخير، نعم النجفي يفتخر بمدينته حتى الشموخ، ويعتز بنفسه حتى الزهو، ولكن دون استعلاء على الآخرين كما يتوهم البعض، وإنما يتسم بالشهامة والبساطة، ربما يتخيل الآخر،أنها سذاجة، بل هي من باب الثقة العالية بالنفس، ولا ريب هذا التماهي والشموخ تشربه منذ الطفولة لمجاورته ضريح الإمام، ولكون النجف عاصمة الطائفة الشيعية، ومركزا إسلامياً مهماً، ولنبوغ أبنائها في الشعر والأدب والخطابة، ومقرا لقيادات الجهاد، وللعامل الاقتصادي دوره، فالمدينة من أكبر المراكز الاقتصادية في العراق، ولابد أن أشير أخيراً هذه التربية والنشأة جعلتني أتحفز بإصرار لتأليف كتابي (تاريخ الحيرة ... الكوفة،،، الأطراف المبكرة للنجف الأشرف )، وفيه فصل مهم عن تاريخ مرقد الإمام علي (ع)، ولقى القسم الثالث من الكتاب صدىً واسعاً تناقلته الموسوعات والكتب والصحف والمواقع وإليكم هذا المقطع الأخير من قصيدتي المطولة عن العراق تحت عنوان: 
)أجب يا أيّها البلدُ الصبورُ)، وهوعن النجف:
وكانَ لنا غديرٌ في البراري***وما لهُ في الدُّنى أبداً نظيرُ
لهُ فيءٌ يظللّنا جميعــــــاً*** وعبّــــقَ جوَّهُ الصافي عبيرُ
وتلهو في ملاعبهِ زهــورٌ**** فلا بــــدرٌ يضاهيها وحورُ
وبينَ الأيكِ مفترشٌ رحيبٌ****وفي محرابهِ الرجلُ الوقورُ
تلوذُ بهِ الارامــــلُ واليتامى**** وينعمُ مـــن تكرّمهِ الفقيرُ 
فكانَ غديرُنا خيراً مشــــاعاً *** كــريمُ النفس ِ معشرُهُ أثيرُ
وكانَ الصدرُ متسعاً لضيق ٍ*** وإنْ لضبابنا ذُبحتْ (صدورُ)
وكم مرّتْ عصاباتٌ عليــــهِ**** لقد زالتْ ومازالَ (الغديرُ (
بلادٌ أدمٌ فيهـــــــــــا ونوحٌ **** تطيـــــرُ الكائناتُ ولا تطيرُ
فلو كان الهشاشة ُ ما بنينا**** لمـا بقي الخورنقُ والسديرُ
ومثوى الدرِّ والذهبِ المصفّى*** الا صلّوا فيا نعمّ (الاميرُ )      
ويا نعمَ (العراق) وأرضُ طيبٍ*** يعلّي شـأنهُ الباري القديرُ
ختاماً أيّها الغــــــالي بجزم ٍ*** لأنتَ البدءُ والمثوى الأخيرُ
س2: حمودي الكناني: 
انت نشأت وترعرعت في وقت كانت تكثر فيه المدارس الدينية لكبار العلماء وكان جل الدارسين فيها من المعممين ويخيل إليّ أن الماشي في شوارع النجف وسوقها الكبير يرى اعدادا كبيرة ممن يعتمرون العمامة سوداء كانت ام بيضاء فهل راودتك فكرة لبس العمامة والانخراط في المدارس الدينية؟
ج 2: كريم مرزة الأسدي:
 في زمان فتوتنا وشبابتا، كان المجتمع النجفي يتشكل من ثلاث طبقات بينها فواصل عرفية خفية، وفي أغلب الأحوال، لا يستطيع الفرد النجفي القفز عليها وتجاوزها، وهي طبقة علماء الدين والملالي وطلبة العلوم الدينية، وهولاء هم الذين يعتمّون بالعمائم السوداء أو البيضاء، فأصحاب العمائم السوداء هم الذين ينسبون أنفسهم أو ينتسبون إلى آل البيت، وبالتالي إلى النبي (ص) * ولا أعرف كيف تحوّل شعار العباسيين وعمائمهم إلى العلويين ورؤوسهم، في حين كان شعار العلويين وعمائمهم خضراء، ربمّا للاضطهاد والقتل والتنكيل والملاحقات التي تعرض لها العلويون، فأختفوا وراء هذا الزي بلونه الأسود،وأصبحت بعض العمائم يورّثها الأباء للأبناء كوسيلة للمنزلة الاجتماعية والاقتصادية، يقول السيد مصطفى جمال الدين حين أعتمّ ابنه مهند:
ما كان رأسي غير جسرٍ عبرتْ ***أمانة الجدِ بهِ للولدِ
جهدتُ أنْ أوصلهـا نقيةً***ما عرفت زيغ الضميرِ واليدِ 
كما ترى التوريث جلي في البيت الأول، وفي البيت الثاني التكسب، واستغلال شرف رمزها، ضمنهما السيد الشاعر في قوله (زيغ الضمير واليد)، مهما يكن هذه الطبقة فيها من النجفيين وغير النجفيين، سيان من العراق أم خارجه، ومن العوائل النجفية لهذه الطبقة، آل الحكيم، الجواهري، بحر العلوم، وكاشف الغطاء ... الطبقة الثانية طبقة التجار والكسبة، وهم على الأغلب أوسع ثراء، وأكثر تفتحاً وانسجاماً مع تيار الحضارة الزاحف من الطبقة الأولى، وعائلتنا كما أسلفت محسوبة على طبقة التجار مثلها مثل آل عجينة، آل شمسة ... ربما هي الأشهر، لذا لا يمكن لها أن تفكر بالانضمام إلى طبقة الملائية، وبالتالي، لم أفكر أنا في أي يوم أن أرتدي هذا الزي على الاطلاق، في الفترة الأخيرة، أي منذ الثمانينات، أعتمّ فردان من عائلتنا بالعمامة البيضاء ( منذ الثمانينات)، ويتخلل هاتين الطبقتين عوائل بين الطبقتين السالفتين كآل الطريحي والشبيبي وشبر ...، أما الطبقة الثالثة، فهم القبائل العشائرية الأقرب إلى البدواة كآل عامر، وألبو كلل، وآل صبي، والشمرتي .. ومع هذا كان النجفيون متعاونين في السراء والضراء، وفي الأتراح والأفراح، يتفهم بعضهم خصوصيات الآخرين. 
س3: حمودي الكناني: 
عند ادائك لامتحان البكلوريا للمدارس الثانوية حصلت على مجموع أهلك للدخول الى كلية الطب وأمضيت سنة فيها ومن ثم فارقت دراسة الطب واتجهت اتجاها اخر – دراسة العلوم الطبيعية -، فهل فكرة طبيب يداوي الناس وهو ....، لم تعجبك أم أن هواك في تخصص آخر؟؟
ح 3: كريم مرزة الاسدي:
 في أيام الحكم العارفي الأول (عبد السلام)، كانت نسبة النجاح  في الامتحانات الثانوية العامة (الخامس ثانوي) منخفضة جدا (16%)، ووضعوا شروطاً إضافية لدخول المجموعة الطبية في جامعة بغداد غير المجموع العام، وهي أن يكون متوسط معدله في الرياضيات والطبيعيات ( فيزياء كيمياء)، والأحياء (نبات وحيوان) 75%، على أن لا تقل درجة أي درس عن 70، فكان معدلي في الدروس الثلاثة 85%، فدخلت كلية طب الأسنان، ولكن لم تعجبني، وكانت رغبتي الهندسة، ودفعت إليها شبه مرغماً بالترغيب والتشجيع، فخرجت منها، وذهبت إلى جامعة البصرة، ومع أنهم حذفوا من مجموع درجاتي 55 درجة، لكون فاتت سنة على تخرجي، كان بالإمكان أن أكون أول طالب يمكن له الدخول، ولكن المسجل العام لجامعة البصرة الدكتور علي شلق، أصرّ على دخولي كلية طب البصرة، وكانت كمشروع  للافتتاح إذا تمكنت الجامعة من استقطاب 60 طالبا تتوفر فيهم الشروط، وكانت تتوفر لدي، والجامعة كانت بحاجة إلى ثلاثة طلاب لافتتاح الكلية، أصرّ المسجل أن لا أدخل كلية الهندسة، لكوني قدمت من المحموعة الطبية، فذهبا عني الطب والهندسة، والخير فيما وقع، إذ عشقت من بعد مهنة التدريس حتى النخاع، وتتلمذ على يدي آلآف الطلاب والطالبات في كل من العراق والجزائر والمغرب . 
س4: حمودي الكناني: 
في كثير من المرات عندما يبدأ الحديث عن الشعر والشعراء لا أتردد عن القول .. أن الشعر موهبة تولد مع الفرد تترعرع وتنمو مع نمو الفرد، والبيئة هي التي تتكفل بقولبة وصقل هذه الموهبة فهل ولدت شاعرا استاذي العزيز وهل استهواك السرد فجربته أم أن الشعر هو عالمُك الأثير؟
ج4: كريم مرزة الاسدي:
 نعم بكل تأكيد الموهبة الشعرية تورث من الآباء إلى الأبناء، ولكن تحتاج إلى ظروف بيئية ملائمة لنموها، وإبراز ذاتها، وإلا فقد يكون هنالك أفراد يمتلكون موهبتها، ولكن لم تسنح الفرصة لهم لاستثمار نعمتها، وربما نقمتها، وتتفاوت هذه القابلية من فرد إلى فرد آخر، لذا تجد متذوقي الشعر، وناظميه، ومستلهميه، وعلى درجات، والشاعر القدير إضافة لضرورة تبحّره في علوم اللغة والنحو والبلاغة - اكتساباً إو سليقة -، وتوسعه ثقافة، وقابليته على التخيل الخصب، يجب أن يمتلك قدرة ماهرة خيالية في التحليل والتركيب، وهنا تكمن الموهبة لتشكيل الأنغام الموسيقية للشعر، ومنذ طولفتي حتى تخرجي من الجامعة - والحق يقال - ما كان أحد يستطيع مطاولتي في الحساب، أو الرياضات، أو الإحصاء في الجامعة، وكانت هذه الميزة، تسبب إحراجا لعباقرة المعلمين والمدرسين والأساتذة في الجامعة، الذين مررت بهم، ووصل الأمر إمّا أن ينهرونني، أو أن أثير شجونهم وآهاتهم، ومن المضحك نلت في الامتحانات العامة (البكالوريا) للثانوية - في زمن شحت الدرجات فيه حتى الريب بمسؤولية الحكومة وراء ذلك - على 99%، وعند إعلان الدرجات، وزعها أستاذ الرياضيات الشهير، أستاذي عدنان زوين، فقال لي: أراك منزعجاً من الدرجة، سكتّ، فواصل كلامه:الـ 99 أكبر من المائة، ومدّ لفطها، وقال: كريم لا تبالي !!، والحقيقة إلى حدّ الآن أنظم الشعر ارتجالا بسهولة متناهية، ولكن لا أطيل بالارتجال كي لا تضعف القصيدة، وكذلك لي قدرة رهيبة على الحفط، وخصوصاً الأرقام، والتواريخ، وأتذكر الأسماء بشكل ملفت للشخصيات العامة، والشهيرة، وربما أنسى أسماء عامة الناس الذين يحتكون بي، لذلك لا أتعب في البحث إلا عند تدوين الهوامش، وحفظي للغات الأجنبية ضعيفاً إ إلا قواعدها، وهذه الحالة يعاني منها كثير من شعراء العالم وأدبائه، هذه الصفات المترابطة في الفرد الواحد، والمتماثلة عند العديد من شعراء العالم ومبدعيه، تجعلني أكاد أجزم أنها موروثة، وفصلت الموضوع في كتابي (للعبقرية أسرارها ... تشكّلها ... خصائصها ....دراسة نقدية مقارنة ( 
س5: حمودي الكناني: 
متى بدأت تقول الشعر وهل ما زلت تحتفظ بمسودة اول قصيدة كتبتها وما هو غرضها؟ 
ج5: كريم مرزة الاسدي:
 بادئ الأمر، وأنا في الأول متوسطة، كنت أميل جدا للشعرالشعبي - سيأتي الكلام عنه - وتوجهت في الصف التالث والرابع الثانوي إلى التهام الشعر العربي الفصيح والكتب الأدبية والمصادر والمراجع، وشرعت ببناء مشروع مكتبة خاصة، وساهمت في تأسيس مكتبة الحجة العامة في جامع النجم،وما كانت لتعتب علي أي مكتبة عامة في النجف، وهي من أكبر مكتبات العراق والعالم الإسلامي، وكذلك لم تفتني مجلات الإيمان والهلال، ومجلة المجمع العلمي، والعربي الكويتية التي واكبتها عدداً عدداً من العدد الاول حتى خروجي من العراق 1978 م، وعلى الأخص مقالات الدكتور العالم أحمد زكي، نعم في هذه الفترة نظمت قصائد من الفصيح وكنت أقرأها لبعض الأدباء والعلماء، وربما ينقحونها، وحفظت العديد العديد من شعر عباقرة العرب من العصر الجاهلي حتى العصر الحديث وعلى الأخص شعر امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى والفرزدق والكميت ودعبل وأبي نؤاس وأبي العلاء والمتنبي وأبي الفراس والسيد حيدر الحلي والسيد جعفر الحلي والجواهري واليعقوبي وشوقي والسياب ... أما بقية الشعراء فمن بعد، وبعد، وأكثر قصائد السبعينات كانت ذات هموم سياسية ذاتية بتداخلات موضوعية لم أحفل بها، لأنها ما كانت توازي المخاطر التي تستوجب عليها، فمثلاً هذا مطلع قصيدة عتاب لبغداد نظمتها 1974 م:
أبثّكِ يا بغدادُ بعض عتابي *** صار اللقاء بكِ كوهم سراب ِ 
أما من حيث الكتابة، ففي الرابع الثانوي، قد كتبت بحثاً أكاديميا عن الخوارزمي عالم الرياضات الشهير صاحب الجبر والمقابلة واللوغارتيمات، والتي بقت أسماؤها إلى اليوم عالميا، وذلك في مجلة البراعم التي كانت تصدرها إعدادية النجف، وما زالت المجلة إلى يومنا الحاضر محفوظة في مكتبات النجف!! 
س6: حمودي الكناني: 
في الفترة التي ترعرعت فيها كانت النجف تضج بكبار الشعراء كاليعقوبي والفرطوسي والجواهري وغيرهم فأي من شعراء النجف ترك اثرا بائنا في تكوينك الشعري؟ 
ج 6: كريم مرزة الاسدي: 
جزماً الجواهري (1899م -1997م) يأتي بالمقام الأول، سايرت شعره من بداياته حتى نهاياته،أقتنيت دواوينه، وحفظت العديد من مقاطع روائع شعره، وحلـّلت لحظات من بين ثنايا نفسه، وجهدت نفسي في التحقيق الدقيق عن تاريخ ميلاده،كتبت عنه المقالات كدراسات أدبية وقراءات نقدية، مدحته أبان حياته، ولم أتقصد التعرف عليه شخصياّ، فسلوكه الشخصي له وعليه، ورثيته بعد مماته بقصيدة مطولة (84 بيتا من الكامل)، العمودية الوحيدة التي شاركت في حفل تأبينه بعد مرور الأربعين، ونشرتها الصحف السورية والعراقية المعارضة حينذاك، ومن ثم عشرات المواقع العربية والعراقية، ومطلعها:
عمرٌ يمرُّ كومضـــة الأحــــــلام ِ *** نبضُ الحياةِ خديعة ُ الأيّـــــام ِ
هلْ نرتجي من بعدِ عيش ٍخاطفٍ ** أنْ نستطيلَ على مدى الأعوام ِ
أبداً نسيرُ على مخــاطر ِ شفرة ٍ *** حمراءَ تقطرُ من دم الآنــــــام ِ
وربمّا من بعده يأتي الشيخ محمدعلي اليعقوبي (1895 - 1965 م)، الأديب والشاعر، والخطيب والمؤرخ، اشتهر بقصائده الوطنية والقومية، والدوبيت الساخر: اسمع كأن الرجل بيننا يعيش هذه الأيام، ويصف حالنا بدقة متناهية، وهذا هو الشعر الخالد الذي يصلح لكل زمان، وبأي مكان !!: 
قد اصبح الوطن المسكين بينهم ***حباله نصبت في كف صيادِ 
بغداد قد جُبيت للغرب ثروتــها***والشعب ثروته تَجبى لبغـــداد
واقرأ السخرية المريرة !!:
جاءت لتحميك على زعمها ***ولندن ليس بها حامية
وخذ يا عزيزي، وتمتع بسرعة البداهة، وكيفية توظيف الألاعيب الحكومية لاستغلال بساطة الناس وطيبهم: 
آلا قل للوزارة وهي تبغي*** مكافحة الجراد عن البــلادِ 
فهلا كافحت في الحكم قوماً**أضرّ على البلاد من الجرادِ 
وتأثرت بالسيد جعفر الحلي الشاعر الشهير الذي عاش أواخر القرن التاسع عشر (1861- 1898 م)، وله علاقات حميمه مع أجدادنا، ومدحهم ورثاهم وهنـّأهم بقصائد عديدة غاية الروعة والجمال والرقة
البلاغة والانسياب، أعطيك أمثلة من شعره، وإليك الباقي:
واني شكرت نحول جسمي بالمها*** اذ صرت لم امنع بكل حجاب
ان اغلقت بــــابـــاً فقلبي طـــــائرٌ** والجسم ينفذ من شقوق الباب
والأبيات التالية من قصيدة، قدّم لها بمقدمة غزلية غاية الرقة والإبداع والجمال والبلاغة والنغم، لذا غناها كمقام، يوسف عمر، وناظم الغزالي، وسعدون جابر، وكاظم الساهر:
يا قامة الرشأ المهفهف ميلي***بظماي منـــك لموضع التقبيل ِ
رشأ اطل دمي وفي وجناته*****وبشأنه اثــــ ـر الدم المطلول
يا قاتلي باللحظ اول مـــــرةٍ ***** اجهــز بثانيـة على المقتول
مثل فديتك بي ولو بك مثّـلوا شمس***الضحى لم ارض بالتمثيل
فالظلم منك عليّ غــــير مذمم*****والصبر مني وردها المطلول
ولماك رّي العاشقين فهل جرى***ضرب بريقك ام ضريب شمول
يهنيك ياغنــــج اللحـــاظ تلفتي*** يــاخير آمالي واكــــرم سولي
لام العـــــذار بعارضيك اعلـــني *** مــــــا خلت تلك اللام للتعليل
مَن يريد أن يتوسع في معرفة أكثر عن هؤلاء الشعراء وغيرهم ممن تأثرت بهم عليه بمراجعة الحلقات العديدة التي كتبتها عن كلّ شاعر منهم، ومن غيرهم !!
س7: حمودي الكناني: 
للطفولة خربشاتها على الجدران، على القصاصات، او حتى على الكتاب المدرسي فهل تركت شيئا ذا قيمة من ذلك لم تعد تتذكره ام ما زلت تحتفظ بكل ما كتبته في تلك المرحلة ومن هو الذي اكتشف الشاعر فيك؟
ج7: كريم مرزة الاسدي: 
من مثلي تعرض للهجرة والملاحقات من بلد إلى بلد، وأنت أعرف بالعراق في فتراته العصيبة، وخصوصاً في حقبة الثمانينات والتسعينات، لم يبقِ أهلي من مكتبتي الخاصة التي أجهدت نفسي لجمعها حسب اجتهادي ورغبتي، بل حتى من أوراقي الثبوتية الرسمية، والقصاصات الأدبية الخاصة أي قشاشة ورق، وهذه الملاحقات، وتعداد الأنفاس، ووضع الفرد الحر بمواجهة الجماعة المكبلة، جعلتني أعكسها في قصيدتي ( آهات شاعر عراقي: ( 
كسيزيفَ انــــتَ بهـــذا الزمـــانْ
ستبقـــى حياتــــكَ رهنَ الصخــرْ!
كأنـــــــكَ آثــــامُ هـــذا الوجـــودْ
وهـــذا ابـــنُ آدمَ ايـــنَ المفـــــرْ؟!
عذابٌ أليـــمٌ بدنيــــا الجحيـــــــمْ
وطبـــعُ الانــــامِ جحيـــمُ الدهـــرْ !
فجـــوفُ الوجــــــودِ كنبعِ الشررْ
كصدر ٍ توقــّـدَ فيــــهِ الــوغــــــرْ
والجواب عن الشطر الثاني من السؤال: مطلقاً غير دراستي الأكاديمية، وتجربتي التدّريسية خلال ربع قرن من الزمان، لم يكن هنالك أي فرد له فضل على إبراز مواهبي - إن كانت - لا على المستوى الرسمي، أو الشعبي، نعم انتبه إلى مواهبي الشعرية الأخوة السوريون فدعتني وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي مرتين في مهرجانين لأكبر شعراء العرب، وكان هنالك اهتمام معنوي بي، وكذلك وزير الإعلام السوري، وإذاعة دمشق، ومديرية التلفزيون والإذاعة العامة، وكذلك بعض وجوه المعارضة، كلها تصب في الدعم المعنوي فقط، ولكن أنا الذي عرفت نفسي، يقول الإمام (ع):" غاية المعرفة أن يعرف المرء نفسه "، فكان لدي - وما زال - إصرار رهيب، وتحدي كبير لإثبات الذات لمصلحة العام، فتوسعت في علوم اللغة والنحو، وألفت فيهما المؤلفات لوحدي، ودرست علوم العروض والقوافي والضرائر الشعرية لوحدي، وألفت فيها، ونظمت الملاحم الشعرية والقصائد المطولة لوحدي حتى في سوريا، كان يعزّعلى تفسي أن أكون الثاني، فثقتي بنفسي عالية جداً، و يواكبها التحدي والإصرار، وكما قلت: 
هبوني في هوى وطني ذميمــــاً 
وأنـّي بعدهُ مسخ ُهبونـــــــــــي 
فإنْ جدَّ التطاولُ مـــــــنْ لبيبٍ
أطاولُ كـــلَّ عمـــلاق ٍ فطيــــنِ 
وقال الشاعر قديماً:
وإنَما رجل الدّنيا وواحدها *** من لا يعوّلُ في الدنيا على رجلِ 
س 8: حمودي الكناني: 
في خمسينيات وستينيات القرن الماضي برز في النجف شاعر شعبي ساخر هو حسين قسام النجفي صاحب سنجاف الكلام و قيطان الكلام .. هل تأثرت بسخرية هذا الشاعر وحاولت مجاراته؟؟
ج8: كريم مرزة الاسدي:
 بالتأكيد، مَن من النجفيين والعراقيين لم يتأثر بالعبقريين الخالدين حسين قسام وعبود الكرخي؟ كنت أحفظ على ظهر قلب معظم القصائد الهزلية الساخرة والناقدة للأوضاع الاجتماعية السائدة في ديوانيه (سنجاف الكلام، وقيطان الكلام)، كيف لا؟! و:
سنجاف الكلام اللي يشتري منه *** طيف يشوف جنّه بروضة الجنة
صورة للشاعر وبيده قلم كاريكتيري، وأبيات من الشعر منها: وصدّر (قيطان الكلام( 
كمت أكتب بهذا القلم 
مدري كعد مدري بلم 
يالقاري لا تتعجب 
بي أكتب وبي أركب 
بي أكعد وأتنصب 
من هالقلم يطلع حكم
وحفطت لعبود الكرخي (ساعة وأكسر المجرشة ...) و(بغداد مبنية بتمر..) وغيرهما، ومن مدرسة أخرى لعبد الحسين أبو شبع، وعبد الأمير الفتلاوي، ومن قصيدة المجرشة:
ذبيتْ روحي عالجرشْ
وادري الجرشْ ياذيها
ساعة واكسر المجرشة
والعنْ أبو راعيها
ساعة واكسر المجرشة
والعن أبو راعي الجرش
كعدتْ يدادة أم البختْ
خلخالها يدوي ويدشْ
وكانت حصيلة هذه القراءات، وهذا الحفظ، قصيدة شعبية هزلية مطولة على غرار قصائد وأنفاس حسين قسام، موزونة تماما، وأنا في الثاني متوسط، وكانت الأطراف السياسية ترمي الآخرين من خصومها بتهمة التجسس، وكان مطلعها مع تغيير الاسم المقال في حقـّه:(
(فهد) ما اكولْ جاسوسْ *** لكنْ أغبرْ وديـــــــوسْ 
عنده فلوسْ مو مهلوسْ***ما ينطي اليطلب شوية !!
ولكن لطول القصيدة، وصحة وزنها، وسخريتها ومعانيها، وأنا الفتى، لم يصدق أحد أنها لي، وما لي الآن إلا أن أترككم لكي لا يكون الحوار طويلاً مملاً، فنقدمه إليكم على وجبات، وفي الانتظار ترّقب ولذات، وإن غداً لناظره قريب !! 
كل الشكر والتقدير للشاعر الباحث كريم مرزة الاسدي نتمنى له الصحة والعافية ودوام التألق .
س 9 :  
استاذي العزيز الشاعر والباحث كريم مرزة الاسدي  أعرف ان موضوعة البحث تستهويك جدا وتأخذ من وقتك الكثير وكتبت الكثير من البحوث  والكتب  في مجالات الادب واللغة والتاريخ .... ولقد خرجت علينا ظاهرة الكتابة الايروسية  او ( الايروطيقيا )  ولربما يظن البعض ان هذا ما جاءت به الحداثة ..... ولما نقرأ معلقة الامير الضليل  امرؤ القيس   وما نسب الى ابي نؤاس  نجد ان العرب هم  اول من اوجد هذا الضرب من الادب ...فهل بحثت في ذلك وماذا تقول عنه ؟
ج - 9 : 
لماذا تقول : خرجت علينا ظاهرة الكتابة الايروسية  او ( الايروطيقيا)؟ لا من حيث التسمية !!  ، إذ تعني (الايروتيكية) ، حيث حرفي  الطاء والقاف غير موجودين باللغة اللاتينية ، والتاء للنسبة تعود للكتابة ، وإلا (الآ)  فهي كما كتبت بالألف الممدودة -  هذا توضيح للقارئ الكريم- ،  بل من حيث خرجت  علينا ! ربما تفصد  جدّدت مرّة ثانية ، وكثرت في النصوص النثرية ، واخترقت بعض بنات حواء حاجز خدش الحياء الأنثوي ، بل الذكوري كجمانة حداد ومجلتها الايروتيكية  (جسد) التي أثارت ضجة كبيرة ،  وأحلام مستغانمي وكتاباتها ، ومن قبل كتب الروائي المغربي محمد شكري روايته الشهيرة (الخبز الحافي) ، وقصّ فيها تجاربه الشنيعة مع العاهرات و ...  ولكن هذا التوجه في الكتابة موجود منذ القدم سيان في الأدب الهيليني اليوناني أم في الأدب العربي ، ومنهم من يرجع جذوره إلى الكتاب المقدس ( الأنجيل - سفر حزقيال) . وأدبنا العربي القديم مليء بهذا النمط من الكتابة شعراً ونثراً ، فابن حزم في (طوق حمامته) تحدث فيه عن الحب وشجونه، ومسالكه وفنونه ، و والإمام عبد الرحمن السيوطي ، أعلنها صراحة في (نواضر الأيك في معرفة النيك) ، وكذلك تجد  الراغب الأصفهاني في (محاضرات أدبائه) ، وابن عبد ربه في (عقد فريده)، أوغلوا قي هذا الأسلوب الإيروتيكي ، في إبراز جمالية الأعضاء التناسليو ، والصفات الثانوية ، والحركات الجنسية المغرية ، ولعل قصيدة يتيمة الدهر  لدوقلة المنبجي ( نسبة لمدينة منبج السورية)، وقيل لأبي نؤاس ، وقيل لغيرهما ، هي قصيدة صارخة على نهج الإيروتيكية) :         
و لها هَنٌ رابٍ مجسته  ***وعر المسالك حشوه وقدُ
فإذا طعنتَ طعنتَ في لَبَدٍ *** وإذا نزعــــت يكاد ينسد 
وأصل الكلمة أساساً  جاءت من كلمة (إيرو) اللاتينية ، وتعني (طفل) ، و (إيروس) طفولي - الكتابة اللاتينية بالهامش -   وأحياناً تنسب النسبة  لأحد آلهة الحب والشهوة  عند الإغريق إيروس فتتشكل كلمة ( إيروسية ) ، أ وهي تقابل مصطلح الايروتيكيا يعني الحب الطفولي الأناني  ، أو الحب الشهواني ، ودافعه غريزة التملك ، التي تبدأ مع ولادة الإنسان - أو من المرحلة الجنينية -  كإصرارعلى  التعلق بالحياة ، قبل تواصله الاجتماعي مع الآخرين ، وتعلمه اللغة التي هي أحد الوسائل المهمة لهذا التواصل ، وعادة كلّما اندمج الإنسان مع المجتمع خلال فترات الطفولة بمراحلها الثلاث  ، ومن بعدها فترات المراهقة أيضاً بمراحلها حسب التقسيم  ، تضعف هذه الظاهرة عند الفرد الطبيعي الناضج  ، وهذه الظاهرة ليست مكتسبة ، وإنما غريزة إنسانية موروثة - كما أسلفنا - ويسمى الهرمون المحفز لإظهارها (الأكسوتوسين )، ولا تتخيل هذا الهرمون على سوية واحدة ، وضرب واحد ، وأفرازاته واحدة في كل البشر ، وبالتالي لا يمكن أن تطلب من كل الناس أن يكونوا  متشابهين في السلوك اتجاه الغريزة الجنسية  !! هذا محال ، ومن هنا يستفحل الصراع بين غريزتي التملك الشهواني والترابط الاجتماعي ، وما حدده الشرع والعرف والخلق ،  هذا الهرمون يتشكل حسب الشفرة الجنينية المرتسمة على الحامض النووي (.دي . أنْ . آ) والتي بموجبها يلملم الحامض النووي الآخر ( آر . أنْ  . آ ) الحوامض الأمينينية ، وهي وحدات تكوين البروتين ، وما الهرمونات إلا بروتينات ، ويأتي هذا الرسول ويقف على الريبوسيمات ، الملتصقة بالحامض النووي الأول ، حامل الشفرات ، لصنع الهرمون ، ماذا أريد أن أقول ، ؟ أقول أن الحب الشهواني التملكي غريزة موروثة ، كالأمومة والعطش والجوع  ، وليس بتعود مكتسب ، وإذا كان هذا الهرمون يضعف مفعوله تدريجيا حتى النضوج ، وما بعد النضوج ، ليسعى الإنسان إلى الحب الإنساني الطبيعي  و مساعدة الآخرين والتفاهم معهم عقلياً، نرى أنه يستمر مفعوله بقوة عند الفنانين ، ومن الفنانين الشعراء ، وتستمر طفوليتهم ، وأنانيتهم التملكية  ، وتسامحهم بتناسي الإساءة لهم  وتخيلهم الواسع ، والذي هو أساس الإبداع الشعري والفني - سنأتي عليه في السؤال القادم - ، وعلى أغلب ظني أن الفارق بين المدرستين الرواقية والإبيقورية  بنيت على هذا الأساس دون معرفتهم بهذه الأمور المستجدة  من هرمونات ، وشفرات ، وجينات ! وهاتان المدرستان ، هما نهج حياة ،  فمؤسس الرواقية هو زينون الرواقي، الذي يرى  أن سعادة  الإنسان تكمن في سعيه للفضيلة  والحكمة ، وأن لا يرضى بما لا يمكن تغييره ،  حبّه لل يجب أن يسعى للتحلي بالفضيلة التي هي أعظم الخصال الحميدة بمن يتحلى بالحكمة والفضيلة أن يرضى بما لا سبيل إلى تغييره، أما الأبيقورية فقد أسسها أبيقور الذي اعتمد في فلسفته على مبدأ اللـّذة  والمتعة ، واستغلالهما قبل فوات الآوان ، ولكن جملها بالاعتدال والهدوء. 
س 10 : 
الشعر ديوان العرب  به تطيب مجالسهم ويتغنون ويتفاخرون بشعرائهم وكان الشاعر لسان حال القبيلة او الجماعة ووزير اعلامها , يشحذ الهمم ويقوي العزائم  وسؤالي ما  سر سيطرة الشعر على نفوس السامعين ومن اين اتت هذه السيطرة  ؟
ج - 10 
الإنسان وجهة الإنسان ، وما عدا ذلك من طبيعة خلابة ، وكون رهيب ، وكائنات حية غير ناطفة بما يفهم الإنسان ، تبقى بالنسبة إليه كائنات صماء بكماء لا بالعير ولا بالنفير ، لذلك لولا الإنسان ما عاش الإنسان ، وهذا اللغز الخافي هو الذي يجعله يستقصي أخبارهم ، ويدرس تاريخهم ، ويتطلع إلى مستقبلهم ، ويجوب العالم راكضاً لاهثاً وراء أثارهم ، يتخيل حياتهم الغابرة الدارسة من أطلال ومتحجرات ، يقول البحتري في وصف إيوان كسرى ، وهي من أروع قصائده على الإطلاق ، وأنت أعلم من هو البحتري ؟!
صنت نفسي عما يدنس نفسي *** وَتَرَفَّعتُ عَن جَدا كُــــــلِّ جِبسِ
وَتَماسَكتُ حينَ زَعزَعَني الدَهـ *** ـرُ التِماسًا مِنهُ لِتَعسي وَنَكسي
وَاشتِرائي العِراقَ خُطَّةُ غَبنٍ *** بَعدَ بَيعي الشَـــــــــآمَ بَيعَةَ وَكسِ
حَضَرَت رَحلِيَ الهُمومُ فَوَجَّهـ *** ـتُ إِلى أَبيَضِ المَـــدائِنِ عَنسي
أَتَسَلّى عَنِ الحُظوظِ وَآسى **** لِمَحَلٍّ مِن آلِ ســـــــــاسانَ دَرسِ
أَذكَرتِنيهُمُ الخُطوبُ التَوالي *** *وَلَقَد تُذكِرُ الخُطــــــــوبُ وَتُنسي
وَهُمُ خافِضونَ في ظِلِّ عالٍ *** مُشرِفٍ يَحسِــــــرُ العُيونَ وَيُخسي
وَإِذا مارَأَيتَ صورَةَ أَنطا *** كِيَّةَ اِرتَعتَ بَيـــــــنَ رومٍ وَفُـــــــرسِ
مُزعَجًا بِالفِراقِ عَن أُنسِ إِلفٍ ***عَزَّ أَو مُرهَقًا بِتَطليقِ عِـــــــرسِ
هذه القصيدة نظمها البحتري ، بعد أن قتل المنتصرومعه قائدان تركيان ووزيره الفتح بن خاقان (247هـ)  أباه المتوكل ، ووزيره الفتح بن خاقان ، وكان معهما في مجلس الشرب هذا البحتري في أروع القصور وأجملها وأبهاها في الدنيا ، وأعني (قصر الجعفري) في سامراء ، فردوس الخليفة  وجلسائه ، ومن أقرب حلسائه المخصوصين البحتري ، وعندما نُكب الشاعر ، وهجا المنتصر ، انحدر إلى بغداد ، ومرّ على المدائن ، وناجى نفسه ، وخفف عن آلامه النفسية ، وتأمل الإنسان بالإنسان ، وتلمس الآثار ،والمعارك بين الروم والفرس ، ويقيني لو ذهب للجبال الصماء لمات كمذا ، إن في المحادثة مع الإنسان ، أو في التأمل في ما يخلفه من أثار ،  تلقيحاً للعقول، وترويحاً للقلب، وتسريحاً للهم، وتنقيحاً للأدب
يقول أبو سعيد السيرافي : سمعت ابن السراج يقول: دخلنا على ابن الرومي في مرضه الذي قضى فيه، فأنشدنا قوله : 
ولقد سئمت مآربـي ***  فكأن أطيبها خبـيث
إلا الحـديث فـإنـه *** مثل اسمـه أبداً حديث
فالإنسان يهمه حديث الإنسان عن نفسه وغيره ، ومجتمعه ودولته وعالمه حتى في نكباته ، بل وحتى على فراش موته ، وهذا ما يحققه له الشعر بأمتياز لبواعثه النفسية ، وتجاربه الإنسانية ، ومعانيه السامية ، وبلاغته الراقية ، وحكمه الرائعة ، ومن هنا خُلـّد المتنبي العظيم
 وماالدهر الا من رواة قصائدي ***  اذا قلت شعرا اصبح الدهر منشدا
  يرويه الدهر إضافة لحكمه وخوالجه الإنسانية النافذة  لسهولة حفظه وترديده ، وقابليته للحدو والغناء :
تغن بالشعر إما كنت قائله***إن الغناء لهذا الشعر مضمارُ 
الحقيقة من نقطة صدق المشاعر الإنسانية ، ولو كانت أنانية بحتة ، لأنها صادرة من إنسان شاعر نرهف الحس - لا للناظم الشعر الميت - هو أحد أحد أسباب خلوده المهمة  ، لذلك يذهب الدكتور زكي مبارك إلى أن  قول أبي فراس الحمداني :
معللتي بالوصل والموت دونه *** إذا مت ظمآناً فلا نزل القطرُ 
أصدق شعورا ، وأحق بالبقاء والخلود من قول المعري المنافق لإبراز وجوده ، وإظهار نفسه بالغاضل المتفاني في قوله:
فلا هطلت عليّ ولا بأرضي *** سحائب ليس تنتظم البلادا 
ولهذا ساند العبقري بقوة السيد أحمد الصافي النجفي ، وعدّه أروع شاعر ولدته الأمة العربية ، في حين - ومعه صديقه المازني - جردا شوقي من الشاعرية حتى الممات ، لأنه لم يتمتع بالأحاسيس الشعرية الصادقة ، ورؤيتي رؤية العقاد ومدرسته.
وإضافة أخرى وأخرى ، إن جمال لغتنا ونفوذها في الوجدان العربي ، وتغلغلها في أعماق أعماق العرب ، وخصوصاً بعد نزول القرآن القرآن الكريم ،أعطى الشعر مكانة مرموقة وممزوجة في الوجدان العربي  لا يمكن نزعه من النفوس - أطلت معكم عذرا-  ، وأضيف الأخرى،الشعر تخييلي ، كما ذكرنا في النقطة السابقة ، والشاعر بعيد بعيد في مدى خياله ، والخيال ليس له مكان محدد ، ولا زمان معين،لا يعتمد على التراكم المعرفي كالعلم ، وإنما تخيّل هومبروس وامرئ القيس والمعري ودانتي ، وجابوا الفضاءات  والكون ، وهم في عصورهم ، كما يتخيّل شعراء اليوم ، بمعنى الشعر ليس فيه قديم وحديث إلا من باب معرفة زمان الشاعر وبيئته ، لامن حيث مقياس جمال الشعر وتذوقه ، فلا المتبي استطاع أن يختزل امرئ القيس ، ولا الجواهري تمكن من تغطية المتنبي ، ولا ...ولا ، وهكذا في الآداب الأجنبية ، فالشعراء ليس كالعلماء ، وكما يقول المازني مستشهداً بقول المتنبي،فلا :
ويدفن بعضهم بعضاً وتمشي *** أواخرهم على هام الأوالي           

س 11:  
 جميل جدا  وهل في تصورك ان لقصيدة النثر  نفس الاثر على المتلقي  وهل بامكانها ان تحل محل القريض ................لماذا  لا ولماذا نعم ؟
ج - 11 
تسألني ، وأجيب بكل صراحة ، ليس لقصيدة النثر تأثير على وجدان السامع العربي إلا كنص نثري يعتمد على المُلقي في كيفية إداء حروفه وكلماته وجمله  ، وتجسيد صوره ، ليستقطب ذهن المستمع ووجدانه دون أن يشاركه هذا المستمع ترديداً وانفعالاً وتصفيقاً وإنشاداً وحماساً ، كما هو حال الشاعر الشاعر العمودي  أو التفعيلي الموزون  ،أما القارئ فيستقبله كمضمون وتشكيل بلا حياة أوغناء وحدو  ، وإنما مضمون وتشكيل لنص نثري يبوح به كلّ من هبّ ودبّ لاستقراغ الكبت النفسي ، والبوح الإنساني لما في الوجدان والضمير ، كلّ بمقدار ثقافته وقدرته اللغوية بلا حدود ولا قيود ، ويابسه يأكل أخضره ، ومن المضحك المبككي أن أحد رواده الكبار الذي يقف مع أدونيس ويوسف الخال ، وهو ثالث الأثافي ، وأعني الدكتور عبد العزيز المقالح ، الناقد والأديب المعروف ، رئيس جامعة صنعاء سابقا ، يستند على رمز شامخ من رموز  أدبنا العربي ، ألا وهو أبو العلاء المعري ليدعم تجربته الفتية ، وقد عبته ورددت عليه لا لهذا الدعم ، وإنما لاعتباره كتابة القصيدة العمودية إثماً ، وعلى أغلب الظن كان يعني الشاعر اليماني محمد أنعم غالب في عدم خوضه مجال  الشعر العمودي، وإلا فالدكتور يثمن وكتب باعتزاز شديد عن البصير عبدالله البردوني  ، وأنا أطالب باصرار شديد ،لا يجوز لكاتب قصيدة النثر أن نطلق عليه صفة شاعر إلا بعد خوضه تجربتي العمودي والتفعيلة بنجاح باهر،مهما يكن يقول الدكتور في كتابه ( من البيت إلى القصيدة)  " ويكاد القارئ العادي ينسى نفسه وسط الزحام ، لكنه لابدّ أن أن يألف الجديد ، ويأنس إليه ، وأن يردد مع حكيم المعرة :
ستألف فقدان الذي قد فقدته *** كإلفك وجدان الذي أنت واجدُ " 
وليسمح لي الدكتور المقالح أن أستعير كلمته بحق الدكتور طه حسين حين كتب عن الشاعر العربي الأموي العصر ( وضاح اليمن) قائلاً " غريب أمر الدكتور طه ، كيف يصف شاعرا هذا مستواه الفني بالإسفاف والابتذال والسقوط واللين " ( الشعر بين الرؤيا والتشكيل ص 79) ، وغريب أمر الدكتور المقالح كيف وصف كتابة الشعر العمودي بالأثم ، ويعتبر عدم كتابته مأثرة تستحق التمجيد ؟  وهل يتخيل أن الشعر العمودي الأصيل أصبح يتيماً ، لا يوجد مَن يدافع عنه ؟ وكيف سمح  أن يطلق نعت شاعر على كاتب لم يكتب بيتاً من الشعر ؟!! هذا خلط ، وفرض الرأي بالجور ، وبنظرة غير عميقة ، أين الكان كان ، والمواليا ، والقوما البغدادي ؟ بل أين الموشحات التي أخذت مدى بعيدا ، وأشواطاً  طويلاً ، وأين البند الرائع ؟ وهذا مثاله لابن الحلفة الحلي ، وهو أرقى بكثير ، مما يسمى بقصيدة النثر : ، اقرأ من البند ، وقارن وتأمل :
" أهل تعلم أم لا أن للحب لذاذات ؟
وقد يعذر لا يعذل من فيه غراماًوحوى مات 
فذا مذهب أرباب الكمالات 
فدع عنك من اللوم زخاريف المقالات 
فكم قد هذبّ الحب بليدا 
فغدا في مسلك الأداب والفضل رشيدا" 
الكرة الآن في ملعبهم ، يتقاذفها الداني والعالي ، القوي والضعيف ، الصغير والكبير ، ومن حق الناس أن تعبر عن مكنوناتها وبوحها وآلامها وأمالها وأتراحها وأفراحها كيفما تشاء ، ولكن على أغلب الظن لا يبقى منه إلا الدر الثمين لشعراء مرّوا بالتجربتين العمودية والتفعيلية ، وترجم للغات الأجنبية ، واستطاع أن ينفذ بقدرة هائلة ككتاب اليسوع (النبي) لجبران خليل مثلاً . 
س 12 :  
انت لم تكتب  الا قصائد العمود والتفعيلة ولم تكتب قصائد النثر ....هل هو بسبب عزوفك عن هذا الجنس الادبي الطاغي على الساحة الان ام ان الشعر لديك هو ما كان ذا قافية وايقاع وله القدرة على ان يغنّى وتطرب له النفوس ؟
ج - 12 
الشعر ليس بمفرداته ومضمونه ومعناه وصوره فقط ، بل بموسيقاه وانسيابه وأشجانه وألحانه , تقرأه بنغماته الشجيه الصادرة من أعماق قلوبٍ متأججة شاعرة لتطرب إليه , وتتغنى به ،  فهو ليس مجموعة لحبات ٍمن العنب متكتلة متراكمة بترتيبٍ معين ، وتنظيم دقيق لتمنحك صوراً جميلة , وتشكيلاتٍ بديعة لمعان ٍعميقة على أحسن الأحوال ..وإنما هو تحول نوعي تام من حالٍ الى حال , ليصبح في صيرورة جديدة ..كأس مُدامةٍ وكرعة راح ٍ " وإنَ في الخمر معنى ليس في العنب ِ" .
يقول أبو العباس الناشىء الأكبر عن شعره :
يتحيرُ الشعراءُ إنْ سمعوا بهِ ***في حُسن ِ صنعتهِ وفي تأليفــهِ
شجرٌ بدا للعين ِحُســـنُ نباتهِ ***ونأى عن الأيدي جنى مقطوفهِ
وللشعر ركنان أساسيان لابدَّ منهما في كلّ شعر ٍ، وهما النظم الجيد ونعني به الشكل والوزن أولاً (ويخضع كما هو معلوم لعلوم النحو والصرف والبلاغة والعروض ) ، ثم المحتوى الجميل أو المضمون الذي ينفذ إلى أعماق وجدانك ، وتنتشي به نفسك دون أن تعرف سره ، وتفقه كنهه ، فهو الشعاع الغامض المنبعث من النفس الشاعرة .
وتسأل عن الناس ، فالناس أجناس , فمنهم  - كما تصنف نازك الملائكة بما معناه ، وكما هو معروف - مَنْ يتذوق الشعر ولا يستطيع أنْ يدرك الموزون من المختل ، وينطبق هذا على أكثر الناس  ، ومن الأقلية مَنْ تجده يستطيع أن ينظم الشعر بشكل ٍمتقن ٍ ، ولكن لا تحسُّ بشعره نبض الحياة ونشوة الإبداع ، وهذا هو الناظم ، أمّا الشاعر فهو الذي يجيد النظم إجادة تامة ، وتتأجج جذوته ليحترق ، ويمنحك سرّ الإبداع ، ولذاذة الشعر ، تتحسّس بجماله ، ولا تدرك أسراره - كما أسلفنا - والشاعر الحساس يرتكز لحظة إبداعه الإلهامية على مظاهر التأثيرات الوراثية التي تسمى بعلم النفس ( الهو ) ، وما يختزنه في وعيه واللاوعي من معلومات وتجارب وعقد ،  ولك أن تقول ما في عقليه الباطن والظاهر  (الأنا العليا ) ،  ومن البديهي أن ثقافة المبدع بكل أبعادها الإيحائية واللغوية والمعرفية والسلوكية والفلسفية والتجريبية - والعلمية الى حد ما - تؤثر على القصيدة أو النص  الأدبي.
ومِنْ الشعراء المتميزين مَنْ يتمرد على التراث الشعري  القديم ،وهؤلاءمن عباقرته الذين يمتلكون حقّ التجديد و التحديث ، ومن الناس من يرفض القديم بحجة المعاصرة والتقليد ، وهؤلاء يلجون عالم الشعر ، وهم ليسوا بأهل ٍله ، لأن ّ ما لا يكون لا يمكن أن يكون ! فالقدرة على الصياغة النغمية تكمن مع صيرورتها - وبدرجات مختلفة - الإنفعال الشديد ، والإحساس المرهف ، والخيال الخصب ، والإلهام الفطري ، وهذه بذور الإبداع متكاملة مندمجة بماهية واحدة ، وبدونها لا تنبت النبتة الصالحة لتعطي ثمارها و أُكلها .
 ولفذلكة الأقوال نقول : نعم للتشكيل اللغوي المحكم , والتصوير الفني البديع ، والتنظيم الواعي الدقيق دور كبير في بناء القصيدة ، ولكنه دور مكمل يحتاج الى قدرات عقلية كبيرة ،  وثقافة موسوعية عالية  ورفيعة  ( على قدر أهل العزم تأتي العزائم ُ ) ،  ولكن - مرّة أخرى - الأعتماد على العقل وحده دون  الغريزة الفنية و القدرة الموروثة إصالة أو طفرة ،  لتتفاعل هذه كلـّها حيوياً لحظة الإبداع وصناعة القصيدة ،  وبكلمة أدق ولادتها ( وخلها حرّة تأتي بما تلدُ ) ، كما يقول الجواهري .لهذا  يبدو لي  ان (نور ثروب فراي)لا يميل الى قول العرب قديما ( جرير يغرف من بحر ،  والفرزدق ينحت بالصخر) ،  ويذهب الى ما ذهب اليه الجواهري  ،  فكلّ عباقرة الشعر يغرفون من بحر وتولد القصائد عندهم ولادة ، ثم يجرون بعض التعديلات اللازمة عليها ، فمن المفيد أن أنقل إليك - أيّها القارىء الكريم -  هذه الفقرة من كتابه ( الماهية والخرافة ) " القصائد كالشعراء ، تولد ولا تصنع ،  ومهمة الشاعر هي أن يجعلها تولد وهي أقرب ما يكون إلى السلامة ، وإّذا كانت القصيدة حية فأنها تكون تواقة مثله الى التخلص منه وتصرخ ملء صوتها بغية التحرر من ذكرياته الخاصة و تداعياته ، رغبته في التعبير عن الذات وكلك تتخلص من حبال سرته وأنابيب التغذية المتعلقة بذاته جميع "  ، القصيدة ولادة عقبى التغذية الكاملة من نفس خلقت لكي تكون شاعرة ، وليست صناعة لتصفيف حروف مهما بلغت ثقافتها.
   
س13 :  
الشاعر النجفي محمد صالح بحر العلوم اشتهر بقصيدة "أين حقي" والتي جاء فيها :
ليتني  أسطيعُ بعثّ الوعي في بعض الجماجم
لأُريح البشرَ المخدوع من شر البهائم
 وأصون الدين عما ينطوي تحت العمائم
من مآسٍ تقتل الحقَّ وتبكي : أين حقي 
السؤال هو لماذا منعت هذه القصيدة في حينها  وهل تظن ان فيها ما يسئ  أم الرجل رصد الحقيقة وصورها كما هي  نتيجة ما تعاني منه الناس من فقر  وجهل ومرض  وفاقة ؟؟
ج - 13 :
 من غريب الصدف أن الشاعر محمد صالح بن  السيد محمد صالح بن السيد مهدي بن السيد محسن بحر العلوم ولد في أول أيام عيد الأضحى المبارك ،  وأنا ولدت في المناسبة السعيدة نفسها ، ولكن تولد هو في سنة (1326هـ / 1909 م ) ، أما أنا فولادتي سنة  (1365 هـ / 1946م) ، وكلانا من مدينة النجف الشرف ، فهو من عمر أبي تماماً ، الرجل من عائلة دينية معروفه عريقة ، يرجع نسبها إلى المرجع الديني الكبير  السيد محمد مهدي بحرالعلوم، المتوفي في النجف سنة (1212 هـ)وما بحر العلوم إلا لقب أطلقه عليه أستاذه محمد مهدي الأصفهاني لحدة ذكائه ، وتبحرعلمه ، شاعرنا كان جريء جدا ، يتعاطف مع الفقراء والطبقة المسحوقة  ، سجن وعانى ، واشتهر بشعره النضالي ،ويطلق عليه (شاعر الشعب) ، ولكن لا يبلغ مستوى شعره  الفني  ، ولامتانة سباكته ، ولا قوة بلاغته كشعر الجواهري العظيم ، أو الرصافي  بأي شكل من الأشكال ، ولا حتى زجالة شعر الشبيبي والشرقي، وشهرته جاءت من معانيه ، وجرأة مراميه  وكان يكنى أبا ناظم ، لذلك يخاطبه الجواهري ، وهما جاران ، ويكبره الجواهري بعشر سنوات :   
أبا ناظم وسجنك سجني  *** وأنا منك مثلما أنت مني
 وتعد قصيدته  (أين حقي ) من أشهر قصائده ، ولاقت أستحسان الجماهير الواسعة  ، نظمها  في بيروت عام 1955 م ، انتشرت كثيرا ، وأعيد نشرها في السبعينات ، ولكن ربما منعت لدوافع  سياسية ،  فحُرض عليه بعض رجال الدين ، إذ اتهمَّ بالزندقة  والشيوعية ، وعلى أغلب الظن لم ينتمِ للحزب الشيوعي ، والمقطع الذي ذكرته ليس به أي مساس بالدين ، بل أراد صيانة الدين من شرّ العمائم ، وهنا تكلم عن الكل وأراد بعض العائم ، وهذا وارد باللغة العربية ،بل جاءت الصيغة في القرآن الكريم ، والأحاديث الشريفة .
 ومن جدير ذكره ، لما قاوم الزعيم الهندي الخالد ( مهاتما غاندي) الاستعمار الأنكليزي ، وألتف حوله الشعب الهندي بكل طوائفه وأديانه وأعراقه ، وحجوا إليه ، ونظم الشعراء العرب في حقه أروع القصائد ، ومنهم أحمد شوقي :
بني مصر ارفعواالغار*** وحيّوا بطل الهندِ
أخوكم في المقاساة ***وعرك الموقف النكد
سلام حالب الشـــاة  *** ســـــلام غزل البرد  
ومن صد عن الملح *** ولم يقبل على الشهد 
ومن تركب ســــاقيه ***  من الهند إلى السند
هذه الأبيات من قصيدة مطولة لأمير الشعراء في حقّ غاندي، وفي الوقت نفسه أواخر ثلاثينات من القرن الماضى ، يأبى الشاعر العراقي النجفي  ، وأقول النجفي ليس من باب المناقية والتعصب الأعمى ، هذا ما لا يدور بخلدي مطلقاً ، ولكن من باب المقارنة مع قرينه بحر العلوم ، فهما ليس من المدينة نفسها ، بل من نفس المحلة والعكد (الزقاق ) ، ومثلهما الجواهري ، أقول يأبى إلا التمرد على الأوضاع والقيم والشرائع كبقية شعراء العراق ، بل وعموم شعبه ، فينظم هذه النتفة الكافرة بالقيم ، ولا أقول الدين ، لأنني لست يصاحب فتاوي شرعية ، اقرأ :  
 قف في منى واهتف بمزدحم القبائل والوفودِ
 حجّوا فلســــــتم بالغين بحجكم شّـرف الهنودِ
حُجّوا إلى اسـتقلالهم وحججتم خوف الوعـيد
وعبادة الأحــرار خــير من عـبادات العـــبيد !؟
وهذه الأبيات أشنع ، وأكثر كفراً ظاهرياً من أبيات بحر العلوم التي أوردتها - عزيزي الأستاذ الكناني - ، وبدليل وقف معظم الجمهور النجفي ضدّه ، وأرادوا قتله لخروجه الواضح عن ركن أساسي من أركان ، واستفتوا السيد أبا الحسن الأصفهاني ، المرجع الديني الشهير (تزفي تشرين الثاني 1946م / 1365 هـ ) ، فأفتى لصالح الجعفري ، وقال هذا شعر شاعر لا يجوز شرعاً مؤاخذته عليه ، وقول السيد أبي الحسن ، لا يقبل النقض ، ولا الاستئناف ، قرار نافذ ناجز ، لذلك لا أرى الأمر مع بحر العلوم إلا سياسيا ، لا دينياً ، والله أعلم ، وأواخر حياته باع بحر العلوم كل نضاله ومواقفه وجرأته وتاريخه براتب تقاعدي مقداره مائة وخمسون ديناراً ، وكذلك منحت الحكومة في سبعينات القن الماضي رواتب تقاعدية بنفس المبلغ للشاعرين الشهيرين الجواهري والصافي النجفي ، الجواهري غادر العراق مهاجراً ، والصافي لم يتمتع براتبه إلا سنتين ، إذ توفي 1978م،وبحر العلوم بعد مدحه لرأس النظام البائد بشعر ركيك ضعيف توفي، توفي1984 م.  

س14 :  
عذراً  أيها الشاعر ماذا تركت من وجدانيات وهل ران قلبك يوما نحوهن فذكرتنهن بأعذب الكلام  وارقه  وهل ما زلت  فتى إبن عشرين ؟؟؟
ج - 14
لم أترك وجدانيات عاطفية إلا النزر القليل ، بينما احتلت الوجدانيات الاجتماعية مساحة جيدة من شعري ، والسبب معروف ، قضينا جل العمر في النضال السياسي مجبرين عليه منذ بدايات السبعينات حتى اليوم  ، فكانت معظم همومي تصب في  القضايا الوطنية والقومية والإنسانية ، إضافة للهموم الذاتية ، ولا أنسى تأثير بيئتي النجفية ، ورموزها الدينية المقدسة في شعري ، ماذا تتوقع من شاعر ملاحق من بلد إلى بلد ، ومن مهجر إلى مهجر ، تلاحقه العيون ، وتتربص له الثعالب والذؤبان غير أن يرى امرأة فاتنة ، تسوق سيارة مرسيدس في شوارع الدار البيضاء (سنة 1980 م)  ، وبجنبها كلب تلاطفه ، على حين سحب من الشاعرجواز سفره ، وتدخلت السفارة العراقية من وراء الستار كي تلغي عقده ، ليرجع مرغما إلى وطن السجون والاعدمات ، فيقول  :
 يهُنُ الموت ، فإن لم يهنِ *** اجرع الذّلَّ وطعمَ المحنِ
أنا جوالٌ فلا من مسكنٍ ٍ *** يحتويني رغم ضيق الزمنِ
وأرى كلباً لهُ من حظوةٍ *** بين قبــــلاتٍ وبيـن الحضنِ
في إحدى المرات ، وقبل نظم الأبيات السابقة بعدة أشهر ، وأنا أتجول مع صاحب لي على سواحل الأطلسي في مدينة الجديدة المغربية ، تقدمت لي فتاة جميلة ومعها صاحبتها ، وطلبت مني شعراً فيها ، وزعمت تعرفني من خلال الصحف ، وكنت أنشر في الميثاق الوطني ، الصحيفة الناطقة بلسان حزب رئيس وزراء تلك الحقبة ، والأنباء الصحيفة الرسمية  الناطقة بلسان الحكومة ، وصحيفة العلم الناطقة بلسان حزب الاستقلال ، أرتجلت هذين البيتين :
ما بين عينيكِ وبين الفمِ *** قد حرـ يا جوهرة الموسمِ 
نفسي وأنفاسكِ يا حلوة ٌ *** واحدةٌ تجري بمجرى الدم
وقبل سنة من نظم هذه الأبيات ، أي في سنة (1979م) ، تعارفت علي فتاة مغربية اسمها زينب  ، زعمت أنها تحبني ، وكنت في صراع مرير مع أركان السفارة ، وأتوجس من أي علاقة عاطفية، وتأخذني الشكوك ، وأنا كثير الحذر من أن أقع في أي مصيدة ، فتجدني في صراع مرير بين الغريزتين ، ونجحت كثيراً  الإفلات من أنياب الوحوش ، بل بعضها أسود كاسرة ، فنظمت قصيدة  تحت عنوان ( وكيف أفسرّرُ ما كنهكِ ) ، ونشرت في صحيفة الميثاق الوطني ، وعلى الصفحة الأخيرة ، وهي الصفحة الرئيسية الثانية ، ونشرتها في ديواني الأول، منها :
أصادقةٌ أنت في قولك *** أم الحقدُ ينبعُ من صدركِ ؟ 
أرى بعيونك شتى الأمورْ ***فيصعبُ أنّي أرى سرّك
أرى لهيامكِ سرّاً كبيرْ ***فكيــــــــف أفسّرُ ما كنهكِ
فلا تخدعيني بربِّ السماءْ ** بجهلكِ سيّانَ أم علمكِ
أتيتِ إليَّ كمـا تشتهينْ **لحبٍّ سرى في هوى عقلك
أم أنّك جئت بكلّ الشرورْ ***لكي تقتليني على دربك
***************
قلبي أوسعُ في النائباتْ *** بـأنْ تأسريهِ لدى قلبك
طبعاً لم تكن الشكوك مجانية ، بل من معطيات ، واستطعت بذكاء حاد أن أحسم الأمور لصالحي ، وكانت البنت صادقة في حبًها ، ولكن ظروفي في تلك الأيام جعلتني لا أقترن بها ، ومن القصيدة :
وإنـّي أرتقبتُ لقـــائي بكِ ***وعيني تلاقي سنا عينكِ
فإنّي إليكِ إذا ترتضين *** وأنــــــــــتِ إليَّ على مهلكِ
ووزعتُ حبّي على الكائناتْ **ولم يبقَ حبٌّ إلى غيركِ
أزينبُ أني زرعتُ الحنانْ *** بنفسكِ كي أرتوي حبّكِ
فلا تستكيني لنزغ الوشاةْ ***فعــــــزّكِ لا يرتضي ذلكِ
فلا تفقديني بيومٍ كئيبْ *** فروحي ستنبض في عرقكِ
ففقدك لي سيهزُّ الوجودْ *** ويجــعلُ حزناً مدى دهركِ
ستبكين يومَ يعزّ البكاءْ ***ولا نفع يجدي عــلى حزنكِ
لتعلمي أنّ نفوس الرجالْ ْ****تظلُّ تحنُّ إلى عهـــــدكِ
وتعلمي أنَّ ضعاف النفوسْ *** ستبقى تتاجرُ في ذاتك
كما ترى القصيدة تعكس الكثير من الهواجس والشكوك ، والحب والحب المقابل ، والتضحية والفداء من الطرفين ، حسب ظروف  تلك الأيام ، وبعد التهديدات المباشرة من قبل أركان النظام للتوقف عن نشر القصائد ، والرجوع إلى العراق ، وإرسال شخصيات مهمة لمفاوضتي وترغيبي وترهيبي ، حسم الأمر بمنحي جواز سفر سوري ، والذهاب إلى سوريا لاجئاً في ليلية ليلاء ، ومنحت اللجوء أيضاً بسبب قصيدة رائعة رفعتها إلى سوريا كبلد ، حيث لم أكن أعرف بها أي شخصية ، والذي أسرني بفاعلية القصيدة وتأثيرها على الأمين العام المساعد ، ونائب رئيس الجمهورية ، والأعضاء القياديين في اللجنة ، عضو قيادة قومية ،وهو الآن حيّ يرزق في العراق على حجّ علمي ، أتحفظ عن ذكر اسمه .
 جواب الشطر الثاني من السؤال ، كل شاعر خلق شاعراً أو فناناً ، تبقى الطفولة تلازمه حتى الموت ، وغريزة التملك تصاحبه للأنانية العنيدة لأثبات الذات ، ولكن ليس على حساب المصلحة العليا للأمة والأوطان ، بل على مستوى الفرد الآخر ، كما وضحنا سالفا ، ويبقى قلبه يميل لكل جميل ، يشيخ وحمل روح ابن العشرين ، وعبر عن ذلك الصافي النجفي أروع تعبير ، وأصدقه :
سنّي بروحـــــــي لا بعدّ سنينِ *** فسأهزنَّ غداً مــــــن التسعينِ
عمري إلى السبعين يمشي راكضاً **والروح ثابتةٌ على العشرين
والحقيقة أنا من مطلع شبابي ميّال لكل جميل ، ففي قصيدتي عن المغرب نظمتها 1980م ، واستلهمتها وأنا على ساحل الأطلسي في الرباط ، نشرتها صحيفة الأنباء المغربية ، وعلى إثرها أجرى معي الصحفي السوداني الكبير الأستاذ طلحة جبريل ،وكان مسؤول الشؤون الثقافية في الصحيفة حوارا مطولاً تحت عنوان (من وادي عبقر) ، وشغل معظم الصفحة الأخيرة ، أقول في بعض أبيات القصيدة :
في صحوة الدهر والأيام ضاحكةٌ ****إنّا وجدناك ريحاناً ونسرينا 
وفي زمانً نرى الأيامَ  باكيةً ***** تصيّر الحــزنَ أنغاماً فتشجينا 
الأرضُ خضراءُ،والأشجارُ باسقةٌ **والماءُ ينسابُ والأجواءُ تغرينا
وتسبحُ الحورُ كالأســــماكِ لاهيةً ***تصارعُ الماء يصرعها فتلهينا
حمراءُ زرقاءُ ، والأثوابُ زاهيةُ ***تكسو المفاتن ألونـــــاً فتزهينا 
وشاعرٌ يلهم الأفكارَ مسرعةً *** ويجعل الحرف من وجـدٍ دواوينا
وفي قصيدتي المطولة الأولى عن الجزائر ، نشرتها صحيفة الشعب 1985م ، وموجودة في الديوان الأول ، وعلى إثرها دعتني السفارة العراقية للمشاركة في مهرجان المربد الخامس الذي انعقد في البصرة في كانون الأول 1985م  - على الأغلب - ، فرفضت ، وكنت حينها ، أنا وعائلتي نحمل الجواز السوري ، من أبياتها :
فلقدْ نفحت  أريجيكِ الفوّاحَ كالوطــنِ المثيـبِ
قدْ عشتكِ الريّان بينَ جوانحي نبـض الحبيبِ
فوق الجبال الشامخات،وبين همهمة الدروبِ
القصيدة طويلة ، والزمان ضيق ، نختتم هذه الحلقة بهذه الأبيات ، والدنيا خذ وهات !!

CONVERSATION

0 comments: